فتن آخر الزمان - الحلقة 1
الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) الفتنة في اللغة الاختبار..اختبار ما يُكره كَشْفه..فالصائغ يفتن الذهب بإدخاله النار أي يختبره ليعرف جودته..فيتميّز الذهب من غيره..وكذلك الإنسان في هذه الدنيا يُمتحن بالفتن..وهي ابتلاء من الله تعالى... فينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم..يظهر لهم ما لم يعلموه..قال تعالى: (ليميز الخبيث من الطيب) أي ليبين للناس الصادق بإيمانه من الكاذب وقال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) فالله علمه شامل لكلّ ما يكون من العباد جملة وتفصيلا..لا تخفى عليه خافية...وإنما ينكشف حال الناس لبعضهم..والفتن في هذا الزمان كثيرة..والنجاة من شِراكها بغيةُ كلِّ ساع الى مرضاة الله..فما هي أنواعها وكيف النجاة منها؟ الفتن أنواع.. • قد تأتي الفتنة بصورة نعمة أو سلب نعمة..قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي سبب للوقوع في الفتن..أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده والله عنده الأجر العظيم فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا..فسعة المال فتنة..امتحان للإنسان..كيف سيتصرف فيه..هل سيبخل في حقوق الله وحقوق عباده أم سينفق؟..قال عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فإن كان منفقًا بورك له في ماله وكان من الكاسبين في الآخرة..وإلا خسر البركة والثواب..وولدك كذلك فتنة.. هل حفظت له سمعه وبصره عن الشرور؟ هل علّمته علم الدين الضروري وتابعته على تطبيقه؟ هل راقبت كيف يمضي وقته وفيم يصرف جهده؟ أم لجأت الى الحرام لتعطيه كل ما يشتهي وخشيت عليه أن يحزن فلم تأمره بالصلاة أو أن يجوع مع إطاقة الصوم فلم تتابعه عليه؟ وكذلك سلب الفتن امتحان للعبد..فبعض من يخسر الولد أو المال يتسخط على الله تعالى والعياذ بالله..فيكون خسر الدنيا والآخرة.. • وقد تأتي الفتن على شكل أشخاص..قال تعالى (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا).. اي امتحنا أيها الناس بعضكم ببعض..فينظر بعض الفقراء الى مال الأغنياء فيستقلون نعم الله عليهم..فيُختَبر الفقير بصبره على ما حُرِم مما أعطيَه الغنيّ, والمريض بصبره على ما أعطيه الصحيح...وكيف رضي كل إنسان منهم بما أُعطي وبما قُسم له...وطاعتُه ربَه مع ما حُرِم مما أَعطى غيره..فلا يتبرّم الأعمى مما قسم الله له فيحمله ذلك على قول: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان, ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيا مثل فلان, ويقول السقيم: لوشاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان...والله تعالى بصير بمن يجزع ومن يصبر على ما امتحن به من المحن. • وأما الفتنة الأخطر التي يقع بها بعض الناس فهي الفتنة في الدين..وتكون بالاستجابة الى هوى النفس أو الى شياطين الجن أو الإنس..فبعض الأشخاص يسترسل مع بعض الأفكار الفاسدة التي ترد على باله..هو الخاطر ليس من أعمال قلبك..إنما هو من الشيطان..والتعامل معه يكون بالتجاهل..ولكن بعض الناس يسترسلون..حتى يعتقدوا بعض ما يلقي لهم الشيطان من العقائد الفاسدة فيضلوا.. فالشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والإكثار من العبادات..قال عليه الصلاة والسلام: (عرش إبليس في البحر يبعث سراياه في كل يوم يفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس)..وفتن المسلم عن دينه من أكثر ما يفرح إبليس..وقد يفعل ذلك أحيانا أصحاب إبليس من الإنس..فيفتنون المسلم عن دينه الى الكفر..وذلك أشد من قتله..قال تعالى (والفتنة أشد من القتل) أي ابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا به..وكثيرا ما تكون الفتنة عن الدين عن طريق أصحاب البدع الذين خرجوا عما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في الاعتقاد..وما الحفظ من ذلك إلا بالعلم..وقد وصف سيدنا علي رضي الله عنه من ترك العلم بقوله: (وهمج رعاع: أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح) والهَمَجُ فِي كلامِ العَرَبِ أصلُهُ البَعوضُ والذُّبابُ،فَشَبَّهَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هؤلاء الناسِ وَهُمُ الرَّعَاعُ بِالْهَمَجِ أَيْ بِالبَعُوضِ وَالذُّبابِ، لأَنَّ الذبابَ والبَعُوضَ عِنْدَمَا تَجتَمِعُ تَكونُ كَثِيرَةً بِلا مَنفَعَةٍ. وَرَعَاعُ النَّاسِ هُمْ سُخَفاؤُهُم وَغَوْغاؤُهُم...لا يَتعلَّمُونَ وَلا يَبحَثُونَ عَمَّا فِيهِ نَجَاتُهُم بَلْ يَهْتَمُّونَ لِلدُّنيَا فَقَط..وأَمَّا النَّاعِقُ فيُطْلَقُ عَلَى الرَّاعِي الذي يصيح بِالغنم وَيزجَرَهَا. مَثَلُ الرَّعَاعِ كَمَثَلِ الغَنَمِ التي لا تَفْقَهُ مَا يَقُولُ الرَّاعِي..فَرَعَاعُ النَّاسِ لا يَنظرونَ إلَى كَلامِ مَن يخاطبهم إِنْ كانَ مُوافِقًا للِشَّرْع..وكيف يكون ذلك إن لم يكن لهم ميزان شرعي يميزون به القبيح من الحسن..فهؤلاء يكونون عرضة للأخذ بكل ما يُلقى إليهم..